من ألاسكا.. هل نشهد نهاية الحرب الروسية الأوكرانية؟
استمع للمقال النص المسموع تلقائي ناتج عن نظام آلي
منذ اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا والعالم يقف على حافة هاوية لا يعلم مدى عمقها وما هي نهايتها. هذا الصراع الذي بدأ في فبراير 2014 وتفاقم بشكل غير مسبوق منذ 2022، لم يعد مجرد نزاع إقليمي، بل تحول إلى أزمة دولية تهدد الأمن والاستقرار العالميين. وليس من مصلحة أحد، لا روسيا ولا أوكرانيا ولا حتى القوى الكبرى، استمرار هذا النزيف المدمر الذي أودى بحياة مئات الآلاف من الجنود والمدنيين، وخلّف ملايين اللاجئين، ودمر البنية التحتية في المدن الأوكرانية والروسية على حد سواء.
الخسائر البشرية والمادية فادحة، والآثار النفسية والسياسية تتجاوز حدود الجغرافيا. ومع تصاعد الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا، وتوسع حلفاء روسيا في دعمها، خصوصا الصين وكوريا الشمالية وإيران، بات يلوح في الأفق شبح حرب عالمية ثالثة، قد تندلع من قلب أوروبا وتمتد إلى أطراف العالم، وهو أمر تدركه الإدارة الأميركية جيداً.
وفي الحقيقة الشرق الأوسط ليس بمنأى عن تداعيات هذا الـصراع، فقد أثرت الحرب على أسعار الطاقة العالمية، وأعادت تشكيل التحالفات الجيوسياسية، وفتحت الباب أمام أزمات اقتصادية وأمنية في المنطقة. ومع هذا التوتر المتزايد، برزت المملكة العربية السعودية كلاعب دبلوماسي محوري، ونجحت في فبراير 2025 في استضافة أول لقاء رسمي بين روسيا والولايات المتحدة منذ سنوات في العاصمة الرياض، ولأول مرة تتفق القوى العظمى على عقد المفاوضات في الرياض كوسيط وثيق ومستقل يرغب في رؤية نهاية لهذا الصراع المدمر. هذا اللقاء، الذي جمع وزيري خارجية البلدين وكبار مستشاري الأمن القومي، لم يكن مجرد حدث بروتوكولي، بل خطوة استراتيجية هدفت لكسر الجمود السياسي وفتح قنوات الحوار لإنهاء الحرب التي وعد الرئيس ترامب بإيجاد حل لها كأولية قصوى لإدارته.
المخاطر الحالية كبيرة وحقيقية، وهناك إجماع من مراكز الأبحاث الدولية على أن الحرب الروسية الأوكرانية تمثل أخطر مواجهة عسكرية تقليدية في أوروبا منذ الحرب الباردة، وتُعد اختبارًا مصيريًا لصلابة النظام الدولي القائم على القواعد في القرن الحادي والعشرين. وبحسب دراسة صادرة عن مركز الدراسات العربية الأوراسية، فإن تعثّر المفاوضات لا يؤدي فقط إلى إطالة أمد القتال، بل يفتح الباب أمام دوامة تسلّح متصاعدة، ويعيد تشكيل أسواق الطاقة، ويكشف هشاشة منظومات الحوكمة الدولية. كما أن غياب التوازن الميداني وضمانات أمنية واضحة، إلى جانب ضعف الإرادة السياسية في موسكو وكييف، يجعل أي جهود دبلوماسية رهينة الفشل المتكرر. وتُحذر الدراسة من أن استمرار هذا الصراع قد يؤدي إلى تفكك آليات الضبط الجماعي، ويُسرّع من انهيار مؤسسات التعاون الدولي التي شُيّدت بعد الحرب العالمية الثانية، ما ينذر بمرحلة جديدة من الانقسامات الجيوسياسية والتصدّعات الاقتصادية، تمتد آثارها إلى آسيا الوسطى والشرق الأوسط وأوروبا.
كما أن هناك مخاوف أوروبية كبيرة جدا من المخاطر الكبيرة التي فجرها هذا الصراع، خصوصا مع تغير ميزان القوى على الأرض في أوكرانيا وبروز تحالف كبير ومناهض للقيم الأوروبية، وبحسب مراكز الأبحاث الغربية استمرار هذا النزاع قد يؤدي إلى انهيار منظومة الأمن الأوروبي بالكامل، ويفتح الباب أمام سباق تسلّح جديد يعيد العالم إلى أجواء الحرب الباردة. وأشار تقرير صادر عن تشاتام هاوس البريطاني إلى أن أي تسوية مع موسكو دون محاسبة واضحة قد تُضعف الردع الدولي وتُشجع على مزيد من العدوان". ويرى ماثيو بلاكبيرن من المعهد النرويجي للشؤون الدولية أن الحرب وصلت إلى حالة جمود خطيرة، وأنه لا يمكن لأي طرف أن يحقق نصرًا حاسمًا، مما يجعل خطر التصعيد الإقليمي والدولي أكثر واقعية من أي وقت مضى.
أما في الولايات المتحدة، فهناك ترقب وخشية من أن إطالة أمد الحرب قد تُجهد موارد حلف الناتو، وتُضعف قدرة الغرب على الاستجابة لأزمات أخرى، مثل التوترات في بحر الصين الجنوبي أو الملف النووي الإيراني.
ويبدو أن مكمن القلق هو توسع المحور الروسي بدعم مباشر من قوى شرقية مثل الصين، وكوريا الشمالية، وإيران. هذا التحالف غير المعلن يعزز من قدرة موسكو على الصمود عسكريًا واقتصاديًا، ويُضعف فعالية العقوبات الغربية، ويعيد تشكيل المشهد الدولي على نحو يهدد النظام القائم على القواعد، فالصين تمد روسيا بالدعم التكنولوجي والاقتصادي، وكوريا الشمالية توفر الذخائر والأسلحة التقليدية والجنود، بينما تواصل إيران دعمها عبر الطائرات المسيّرة والخبرات العسكرية، وروسيا بدورها تتقدم على الأرض.
ومن هذا المنطلق، هناك إجماع أميركي وغربي على ضرورة وقف الصراع، وما لم يكن مقبولا به سابقا قد تقبل به أوروبا اليوم، وهي نصيحة صادقة وجهها ترامب للرئيس الأوكراني بالقبول بوقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات سلام مباشرة، فإنهاء الحرب الآن خطوة استراتيجية تهدف لفك هذا التحالف المتنامي، وإعادة تركيز الولايات المتحدة وأوروبا على احتواء التمدد الصيني، واستعادة زمام المبادرة في النظام الدولي الذي بات مهددًا بالتفكك.
رؤية ترامب في اجتماع ألاسكا هي إقناع أوكرانيا بتجميد القتال وفتح باب المفاوضات، مع تقديم ضمانات أمنية لأوكرانيا دون انضمامها إلى حلف الناتو، مقابل اعتراف ضمني ببقاء بعض الأراضي تحت السيطرة الروسية.
وما يثير الاهتمام في هذه المبادرة هو البُعد الاستراتيجي الأوسع، إذ تسعى الإدارة الأميركية لفصل روسيا عن الصين، في محاولة لضبط التوازنات الجيوسياسية العالمية، ومنع تشكّل محور شرقي مناهض للنفوذ الأميركي والغربي.
هناك تشاؤم في أوروبا بعد قمة ألاسكا وجمود في المبادرات الدولية، وهو ما يبرز الحاجة إلى دعم جهود الرئيس الأميركي، الذي يسعى بصدق إلى إنهاء هذا النزاع عبر تسوية شاملة تعيد التوازن إلى أوروبا، وتفكك التحالفات الخطيرة، وتمنح العالم فرصة لتفادي أخطر صراع دولي منذ عقود.